الأحد، 15 فبراير 2026

قصة ابن وهب مع الإمام مالك رحمهما الله في تخليل أصابع الرجلين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قصة ابن وهب مع الإمام مالك رحمهما الله في تخليل أصابع الرجلين

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وزوجاته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

وبعد:

فهذا بحث في تخريج قصة ابن وهب مع الإمام مالك رحمهما الله في تخليل أصابع الرجلين

فأقول مستعينًا بالله:

قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (1/31): نا أحمد بن عبدالرحمن ابن أخي ابن وهب، قال: سمعت عمي يقول: سمعت مالكًا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس، قال: فتركته حتى خف الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن عمرو المعافري([1])، عن أبي عبدالرحمن الحُبُلي([2])، عن المستورد بن شداد القرشي رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه)، فقال: إن هذا حديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة، ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع".

والقصة أخرجها: الدارقطني في غرائب مالك كما في الإمام لابن دقيق العيد من طريق الدولابي([3]) (1/613)، والخليلي في الإرشاد من طريق ابن أبي حاتم (1/299)، والبيهقي في الكبرى من طريقه (1/76).

وفي لفظ الخليلي ( كنت عند مالك بن أنس, فسئل عن تخليل الأصابع فلم ير في ذلك, فتركته حتى خف المجلس, فقلت: إن عندنا في ذلك سنة، فقال: وما هي؟ فقلت: حدثنا الليث بن سعد, وعمرو بن الحارث, وابن لهيعة, عن أبي عشانة, عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأت خلل أصابع رجليك)، فرأيته بعد ذلك يسأل عنه فيأمر بتخليل الأصابع, وقال لي: ما سمعت بهذا الحديث قط إلا الآن".

وفي لفظ البيهقي: (سمعت مالكًا يسأل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس، قال: فتركته حتى خف الناس، فقلت له: يا أبا عبدالله سمعتك تفتي في مسألة تخليل أصابع الرجلين، زعمت أن ليس ذلك على الناس، وعندنا في ذلك سنة، فقال: وما هي؟ فقلت: ثنا الليث بن سعد، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد القرشي، قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه)، فقال: إن هذا حديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة، ثم سمعته يسأل بعد ذلك، فأمر بتخليل الأصابع، قال عمي: ما أقل من يتوضأ إلا ويحيطه الخط الذي تحت الإبهام في الرجل، فإن الناس يثنون إبهامهم عند الوضوء، ومن تفقد ذلك سلم".

وتابع ابن أبي حاتم: محمد بن وليد، فرواه عن أحمد بن عبدالرحمن بن وهب، قال: "شهدت مالكًا وأتاه رجل يسأله عن تخليل أصابع الرجلين عند الوضوء؟ فأفتاه بترك ذلك, قال ابن وهب: فلما زال السائل حدثته بحديث المستورد رضي الله عنه (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يخلل أصابع رجليه بخنصره), فسمعت مالك بن أنس بعد مدة طويلة -أو كما قال- وأتاه رجل يسأله عن تخليل أصابع الرجلين؟ فأفتاه بالتخليل، وقال: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أثر -أو كما قال-)

أخرجه: الحميدي في جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس (95): أخبرني أبو محمد علي بن أحمد، قال: نا عبدالرحمن بن سلمة، قال: أخبرني أحمد بن خليل، قال: نا خالد بن سعد، قال: نا محمد بن وليد، قال: نا أحمد بن عبدالرحمن بن وهب ..به.

وسقط من سنده (عن عمي) ([4])، ويدل عليه باقي القصة، والروايات الأخرى.

والحديث أخرجه: أبو عبيد القاسم بن سلام في الطهور عن عبدالله بن صالح وابن أبي مريم (384)، وأحمد عن موسى بن داود وعن حسن بن موسى واللفظ له (29/536، و546)، وأبو داود في السنن عن قتيبة بن سعيد (1/103)، والترمذي في السنن عنه (1/89)، وابن ماجة من طريق محمد بن حمير (1/284)، وعبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم في فتوح مصر والمغرب عن أبيه وسعيد بن عفير وأبي الأسود (289)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير عن قتيبة (2/559)، والبزار في البحر من طريق بشر بن عمر (8/390)، والطحاوي في شرح معاني الآثار عن ابن أبي عقيل (1/36)، وابن قانع في معجم الصحابة من طريق ابن المقرئ (3/109)، والطبراني في الكبير من طريق ابن المقرئ وطريق أسد بن موسى (20/306)، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة من طريق موسى بن داود وطريق قتيبة (5/2604)، والبيهقي في السنن الكبرى من طريق ابن وهب (1/76)، والقزويني في التدوين في أخبار قزوين من طريق ابن عفير (3/325)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد من طريق  موسى بن داود (19/221)، كلهم عن ابن لهيعة، عن يزيد بن عمرو، عن أبي عبدالرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد رضي الله عنه -صاحب النبي صلى الله عليه وسلم- قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره).

وفي لفظ ابن عبدالحكم (... يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه وهو يتوضأ بالجحفة) وقال بعد روايته: (يزيد أحدهم الحرف ونحوه) وفي لفظ القزويني (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ...).

الكلام على الروايات:

1. المحفوظ عن ابن أبي حاتم هي روايته القصة عن أحمد بن عبدالرحمن ابن أخي ابن وهب، قال: سمعت عمي يقول: (سمعت مالكًا سئل ... قلت: حدثنا الليث بن سعد، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبدالرحمن الحُبُلي، عن المستورد بن شداد القرشي رضي الله عنه ...)، أما ما وقع في رواية الخليلي من قوله (... حدثنا الليث بن سعد, وعمرو بن الحارث, وابن لهيعة, عن أبي عشانة, عن عقبة بن عامر رضي الله عنه) فخطأ، دخل عليه إسناد في إسناد، ولا أدري هل الخطأ من النساخ، أو من الخليلي، ومما يدل عليه أن الترمذي لما ذكر الأحاديث في الباب لم يذكر لعقبة بن عامر رضي الله عنه حديثا في تخليل أصابع الرجلين، فقال: "وفي الباب: عن ابن عباس، والمستورد -وهو ابن شداد الفهري-، وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهم".

وباقي الراويات تدل على خطأ رواية الخليلي، والله أعلم.

2. قوله في رواية ابن عبدالحكم (... بالجحفة) خطأ، لمخالفتها باقي الروايات، وكذا قوله في رواية القزويني (... في المسجد).

3. صحح بعض أهل العلم رواية الحديث، لأن ابن لهيعة قد توبع عليه.

قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (5/264) متعقبًا عبدالحق: "... هذا نص ما ذكره به، وهو كما قال من رواية ابن لهيعة وهو ضعيف، ولكنه قد رواه غيره فصح"، ثم ذكر قصة ابن أبي حاتم.

وتبعه بعض أهل العلم، فقال ابن سيد الناس في النفح الشذي (1/373): "... فقد رواه عن يزيد كرواية ابن لهيعة: الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وناهيك بهما جلالة ونبلا".

وقال ابن الأبناسي في الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح (2/450): "... ولم ينفرد به ابن لهيعة بل تابعه عليه: الليث بن سعد وعمرو بن الحارث".

وقال العراقي في التقييد والإيضاح (1/816): "... ولم ينفرد به ابن لهيعة، بل تابعه عليه: الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، رواه ابن أبي حاتم ...".

وقال ابن الملقن في البدر المنير (2/228): "... فالحديث حسن صحيح، حيث لم يتفرد ابن لهيعة به ..".

وقال الحافظ في التلخيص الحبير (1/243): "وفي إسناده ابن لهيعة، لكن تابعه: الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث".

وقال البقاعي في النكت الوفية (1/452): "... ولم ينفرد به ابن لهيعة، بل تابعه عليه: الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث...".

وهذه المتابعة لا تصح من وجوه:

الوجه الأول: أن الأئمة حكموا بتفرد ابن لهيعة به.

قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب([5]) لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة".

وقال البزار: "هذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد عن المستورد رضي الله عنه، وقد روي نحو كلامه عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه بغير هذا اللفظ".

قال الحافظ في إتحاف المهرة (13/177): "أخرجه الترمذي وابن ماجه عن قتيبة، عن ابن لهيعة، وأشار الترمذي إلى تفرد ابن لهيعة به".

الوجه الثاني: أن متابعة الليث وعمرو بن الحارث لابن لهيعة لا تصح، فقد خالف ابن أخي ابن وهب فيه: بحر بن نصر ومحمد بن عبدالله بن عبدالحكم ويونس بن عبدالأعلى([6])، فرووه عن ابن لهيعة ولم يذكروا في سنده: الليث وعمرو بن الحارث.

قال ابن دقيق العيد في الإمام (1/612): "... وأخرجه أبو عبيدالله محمد بن الربيع بن سليمان الجيزي في كتاب (من دخل مصر من الصحابة) من جهة جماعة عن ابن لهيعة، منهم: عبد الله بن عبد الحكم وابن وهب، وفي روايتهما عنده ذكر سماع يزيد من أبي عبدالرحمن، وسماع أبي عبدالرحمن من المستورد رضي الله عنه، وفي رواية ابن عبدالحكم: (يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه)، ومنهم: أحمد بن عبدالرحمن([7]) في غير كتاب ابن الربيع فزاد في إسناده، وذكر قصة...".

فبين أن أحمد بن عبدالرحمن زاد في سنده، وقصد بذلك ذكر الليث وعمرو بن الحارث.

وقال ابن التركماني في الجوهر النقي (1/59): "... فان قيل: ففي السند الذي ذكره ثانيًا متابعة: الليث وعمرو بن الحارث لابن لهيعة، قلت: في ذلك السند أحمد ابن أخي ابن وهب، وهو وإن خرج عنه مسلم، فقال أبو زرعة: أدركناه ولم نكتب عنه، وقال ابن عدى: رأس شيوخ أهل مصر الذين لحقهم مجمعين على ضعفه".

وقد تنبه الحافظ لخطأ ابن أخي ابن وهب في إتحاف المهرة (13/177) فقال: "ولم يتفرد به، فقد رواه ابن أبي حاتم الرازي: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن عمه، عن الليث وابن لهيعة وعمرو بن الحارث، ثلاثتهم عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبدالرحمن الحبلي، عن المستورد رضي الله عنه، وفيه قصة لابن وهب مع مالك، وأظنه غلطًا من أحمد بن عبدالرحمن، فقد حدث به عن([8]) محمد بن الربيع الجيزي في كتاب (الصحابة الذين نزلوا مصر) فلم يذكر غير ابن لهيعة، وأخرجه من طرق عن ابن لهيعة، وعن يونس بن عبدالأعلى ومحمد بن عبدالله بن عبد الحكم، كلاهما([9]) عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وحده، نعم رواية ابن وهب له مما تقويه، لأنه سمع من ابن لهيعة قديمًا".

 الوجه الثالث: أن الناس كلهم رووه عن ابن لهيعة، ولو كان ثمة رواية عن الليث وعمرو بن الحارث ما احتاج الناس لابن لهيعة فيه.

4. قال ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (5/266): "... وإنما الذي يجب أن يتفقد من أمر هذا الحديث، قول أبي محمد بن أبي حاتم: أخبرنا أحمد بن عبدالرحمن ...، فإني أظنه يعني في الإجازة، فإنه لما ذكره في بابه قال: "إن أبا زرعة أدركه، ولم يكتب عنه، وإن أباه قال: أدركته، وكتبت عنه"، وظاهر هذا أنه هو لم يسمع منه، فإنه لم يقل: "كتبت عنه مع أبي، وسمعت منه"، كما هي عادته أن يقول فيمن يشترك فيه مع أبيه، والحديث المذكور وقع له في آخر المقدمة في ذكره مالك بن أنس فاعلمه".

والجواب عن هذا من وجوه:

أولاً: لم ينفرد ابن أبي حاتم بهذه الرواية عن أحمد بن عبدالرحمن بل توبع عليها، تابعه: الدولابي، ومحمد بن وليد إن كان ثقة هو ومن دونه.

قال ابن دقيق العيد في الإمام (1/615): "وقد استغنينا عن هذا التفقد الذي أشار إليه ابن القطان بما قدمناه من رواية أبي بشر عن أحمد بن عبدالرحمن".

وقال مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (1/459): "الثاني: مجيء هذا الحديث بعينه من غير روايته من طريق صحيحة، ذكرها أبو الحسن الدارقطني في كتاب غرائب حديث مالك عن أبي جعفر الأُسواني، عن أبي بشر محمد بن أحمد الدولابي، قال: ثنا أحمد بن عبدالرحمن بن وهب قال: سمعت عمي يذكره، وذكره أبو عبدالله محمد بن الربيع بن سليمان الِجيزي في كتاب (من دخل مصر من الصحابة رضي الله عنهم) من جهة جماعة عن ابن لهيعة، منهم: عبدالله بن عبدالحكم وابن وهب، وفي روايتها عنده ذكر سماع يزيد من أبي عبدالرحمن، وسماع أبي عبدالرحمن من المستورد رضي الله عنه، وكذا ذكره ابن وهب في مسنده([10])، وأبو عبيد في كتاب الطهور".

ثانيًا: أن ابن أبي حاتم ليس مدلسًا حتى يٌتفقد سماعه.

قال مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (1/459): "الثالث: ما ذكره من تفقد سماع ابن أبي حاتم من أحمد بن عبدالرحمن، مردود بأمرين، الأول: أن ابن أبي حاتم ليس مدلسًا، وقد صرح بالتحديث المشعر بالسماع، وذلك مقبول إجماعًا من المدلسين فكيف من غيرهم؟!!".

ثالثًا: على فرض أنه إجازة فهو مقبول.

قال مغلطاي: "... ولإن سلمنا له ما قاله من أنه روى عنه بالإجازة كان أيضًا متصلاً عند جماهير أهل العلم من المحدثين وغيرهم، حتى قال أبو الوليد الباجي: "لا خلاف في جواز الرواية بالإجازة من سلف هذه الأمة وخلفها، وادعى الإجماع من غير تفصيل ...".

5. قصة ابن وهب مع الإمام مالك التي ذكرها ابن أبي حاتم في النفس من صحتها شيء،  ففي سندها أحمد بن عبدالرحمن ابن أخي ابن وهب، وأظنه قد تفرد بها كما هو ظاهر كلام ابن دقيق العيد السابق حيث قال: "ومنهم أحمد بن عبدالرحمن في غير كتاب ابن الربيع، فزاد في إسناده وذكر قصة".

ولذلك أخرجها الدارقطني في غرائب الإمام مالك.

وقد روى ابن وهب عن الإمام مالك قوله: "ليس على أحد تخليل أصابع رجليه في الوضوء، ولا في الغسل، ولا خير في الجفاء والغلو"([11]).

وقال ابن القاسم عنه: "من لم يخلل أصابع رجليه فلا شي عليه"([12]).

ولو بلغه الحديث لكان لأفتى به ورغب فيه([13]).

6. الحديث ضعيف، لتفرد ابن لهيعة به، وقد أعله به عبدالحق الإشبيلي. فقال في الأحكام الوسطى (1/174): "وفي إسناده عبدالله بن لهيعة".

وقال النووي في المجموع (1/424): "وهو حديث ضعيف، فإنه من رواية عبدالله بن لهيعة، وهو ضعيف عند أهل الحديث".

وقال المنذري في مختصر السنن (1/95): "وقال الترمذي: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة) هذا آخر كلامه، وابن لهيعة يضعف في الحديث".

 وقال ابن القيم في زاد المعاد (1،198): "وقال أحمد وأبو زرعة: لا يثبت في تخليل اللحية حديث"، كذلك تخليل الأصابع لم يكن يحافظ عليه، وفي السنن عن المستورد بن شداد رضي الله عنه: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره)، وهذا إن ثبت عنه فإنما كان يفعله أحيانًا، ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه كعثمان وعلي وعبدالله بن زيد والربيع وغيرهم رضي الله عنهم، على أن في إسناده عبدالله بن لهيعة".

وقال ابن التركماني في الجوهر النقي (1/76): "قال: باب كيفية التخليل بين الأصابع، ذكر فيه حديث المستورد رضي الله عنه، وفي سنده ابن لهيعة فسكت عنه، وقد تقدم تضعيفه له في باب منع التطهير بالنبيذ".

 

والحمد لله رب العالمين

أ.د. عبدالله بن غالي أبو ربعة السهلي

 

 

 



([1]) قال الحافظ في التقريب (1080): صدوق.

([2]) قال الحافظ في التقريب (558): ثقة.

([3]) قال الحافظ في التلخيص الحبير (1/243): ... وفي إسناده ابن لهيعة، لكن تابعه: الليث بن سعد وعمرو بن الحارث، أخرجه: البيهقي وأبو بشر الدولابي والدارقطني في غرائب مالك من طريق ابن وهب عن الثلاثة.

فقول الحافظ: (وأبو أبشر الدولابي والدارقطني) يوهم أن الدارقطني أخرجه من طريق مستقل، وإنما أخرجه من طريق الدولابي.

([4]) وكذا وقع في غنية الملتبس (124).

([5]) وفي الإمام لابن دقيق العيد (1/612) "هذا حديث غريب لا نعرفه ..."، وكذا في مختصر سنن أبي داود للمنذري (1/59)، وكذا في البدر المنير لابن الملقن (2/226)، وفي شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (1/457)، وفي نخب الأفكار للعيني (1/320)، ووقع في تحفة الأشراف للمزي (8/ 376) كما هنا (حسن غريب).

([6]) ذكر روايته الحافظ في الإتحاف كما سيأتي بعد.

([7]) أحمد بن عبدالرحمن إنما يرويه عن عمه عبدالله بن وهب.

([8]) هكذا في المطبوع وهو خطأ.

([9]) وتابعهما: بحر بن نصر عند البيهقي.

([10]) لم أجده في القطعة المطبوعة من مسند ابن وهب، وهي من رواية بحر بن نصر وابن عبدالحكم كما أشار إلى ذلك محقق الكتاب (38)، وقد رواه البيهقي من طريقيهما في السنن الكبرى، وليس فيه ذكر القصة.

([11]) انظر: التمهيد لابن عبدالبر (24/257).

([12]) انظر: جامع أحكام القرآن للقرطبي (6/100).

([13]) تنبيه: قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (6/97): وقد كان مالك رحمه الله في آخر عمره يدلك أصابع رجليه بخنصره أو ببعض أصابعه لحديث حدثه به ابن وهب عن ابن لهيعة والليث بن سعد عن يزيد بن عمرو الغفاري ...".

أقول: رواية ابن وهب التي ذكرها ابن عبدالبر في التمهيد ترد ذلك.

الأربعاء، 7 يناير 2026

فضل الصلاة في الفلاة

 

فضل الصلاة في الفلاة

أ.د عبدالله غالي أبو ربعة السهلي 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وآله وأصحابه وزوجاته الطيبين الطاهرين.

أما بعد:

فهذا بحث مختصر في أصح الأحاديث والآثار الواردة في فضل الصلاة بالفلاة، وأصح ما ورد فيها أثر سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال ابن الملقن في البدر المنير (3/316): "فحديث سلمان الموقوف هو العمدة".

1. الحديث الأول:

روى أبو معاوية الضرير، عن هلال بن ميمون، عن عطاء بن يزيد([1])، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلاة في جماعة تعدل خمسًا وعشرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة([2])، فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة)

أخرجه: ابن أبي شيبة في المصنف (5/451)، وأحمد بن منيع كما في إتحاف الخيرة (2/128)، وعبد بن حميد عن ابن أبي شيبة (301)، وأبو داود في السنن عن محمد بن عيسى (1/379)، وأبو يعلى عن ابن أبي شيبة (2/291)، وأبو الفضل الزهري من طريق أحمد بن منيع (2/667)، وابن حبان من طريق ابن أبي شيبة (5/44، و404)، والحاكم من طريق يحيى بن يحيى (2/87)، والبيهقي في الشعب من طريقه (4/319)، كلهم عن أبي معاوية ... به([3]).

وفي لفظ ابن أبي شيبة وأحمد بن منيع وعبد بن حميد (... خمسين درجة)، وزاد أبو داود: "قال عبدالواحد بن زياد([4]) في هذا الحديث (صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة)، وساق الحديث"، وفي لفظ أبي يعلى (وإن صلاها بأرض([5]) فأتم ..)، وفي لفظ ابن حبان (... صلاها بأرض قي ..)، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا على الحجة بروايات هلال بن أبي هلال، ويقال: ابن أبي ميمونة، ويقال: ابن علي، ويقال: ابن أسامة، وكله واحد"([6]).

وخالف عطاء بن يزيد في لفظه: أبو سلمة بن عبدالرحمن، فرواه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفضل صلاة الجمع بضع وعشرين درجة)، فلم يذكر فضل صلاة الفلاة في حديثه.

أخرجه: ابن مخلد العطار في الجزء الثاني من أحاديثه (أ/356 ق)، قال: نا محمد بن عثمان بن  كرامة، قال: نا خالد بن مخلد، قال: نا محمد بن جعفر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ... به([7]).

وخالف محمد بن جعفر: علي بن مسهر، ويزيد بن هارون، وأبو أسامة حماد بن أسامة، فرووه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ خمس وعشرون درجة).

أخرجه: ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر (5/452)، وأحمد عن يزيد بن هارون واللفظ له (16/301)، والسراج في المسند من طريقه (226)، وابن مخلد العطار في الجزء الثاني من أحاديثه من طريق أبي أسامة (أ/356)، كلهم عن محمد بن عمرو ... به، وجعلوه من مسند أبي هريرة رضي الله عنه.

وخالفهم جميعًا في سنده: إسماعيل بن جعفر، فرواه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فضلت صلاة الجماعة على صلاة الفذ خمسًا وعشرين درجة).

أخرجه: علي بن حجر في حديثه  (282)، قال: أنا إسماعيل بن جعفر، قال: ثنا ... عن محمد، عن أبي سلمة ... به مرسلاً، ولم يذكر في حديثه فضل صلاة الفلاة. 

وتابع الجماعة على لفظه: عبدالله بن خباب، فرواه عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة)، ولم يذكر أيضًا فضل صلاة الفلاة.

أخرجه: أحمد في المسند من طريق حيوة (18/83)، والبخاري في الصحيح من طريق الليث واللفظ له (1/131)، وأبو يعلى من طريق الدراوردي (2/513)، والبيهقي في السنن من طريق الليث (3/60)، كلهم عن يزيد بن الهاد، عن عبدالله بن الخباب ... به.

وتابع ابن الهاد: يحيى بن سعيد، فرواه عن عبدالله بن الخباب، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد خمسة وعشرين درجة).

أخرجه: العقيلي في الضعفاء عن محمد بن زكريا البلخي (1/177)، وأبو الفضل الزهري عن محمد بن هارون بن حميد المجدر (1/622)، كلاهما عن عبد الله بن موسى بن شيبة الأنصاري، قال: حدثنا إبراهيم بن صرمة، عن يحيى بن سعيد، عن عبدالله بن خباب ... به.

الكلام على الروايات:

1. حديث أبي معاوية عن هلال بن ميمون لا يصح، لمخالفته الرواة في لفظ حديث أبي سعيد رضي الله عنه، فإنه لم يجيء فضل الصلاة في البر إلا من روايته حسب علمي، وأبو معاوية متكلم فيه في غير حديث الأعمش.

قال الإمام أحمد في العلل (1/378): "أبو معاوية الضرير في غير حديث الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظًا جيدًا".

وهلال بن ميمون حاله لا تحتمل مثل هذا، فهو متكلم فيه وإن وثقه بعض أهل العلم، قال أبو حاتم في الجرح والتعديل (9/76): "ليس بالقوي، يكتب حديثه".

ثم إن حديث أبي معاوية عن هلال بن ميمون مخالف للأحاديث في الباب، كحديث أبي هريرة وعبدالله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم، فكلها وردت في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ([8])، فهو من شاذ الباب.

قال الأثرم في ناسخ الحديث ومنسوخه (180): "... وأما حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه فإنه حديث تفرد به موسى بن علي، وروى الناس هذا الحديث من وجوه كثيرة، فلم يدخلوا فيه صوم عرفة غيره، وقد يكون من الحافظ الوهم أحيانًا، فالأحاديث إذا تظاهرت فكثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ([9])"([10]).

وقال ابن رجب في شرح العلل (2/624): "ومن جملة الغرائب المنكرة الأحاديث الشاذة المطروحة، وهي نوعان: ما هو شاذ الإسناد ... وما هو شاذ المتن كالأحاديث التي صحت الأحاديث بخلافها، أو أجمعت أئمة العلماء على القول بغيرها".

2. المحفوظ عن أبي سلمة هو رواية الجماعة عنه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأما روايته الحديث من مسند أبي سعيد رضي الله، فهي خطأ من محمد بن جعفر، ومحمد بن جعفر هذا أظنه ابن ابي كثير، ولم أجد له عن محمد بن عمرو كبير رواية.

وأما رواية الحديث مرسلاً فقد قصر به إسماعيل بن جعفر حينما رواه عن أبي سلمة كذلك.      

3. متابعة يحيى بن سعيد لابن الهاد لا تصح، ففي سند رواية يحيى بن سعيد: إبراهيم بن صرمة متكلم فيه.

قال العقيلي: "ليس هذا الحديث محفوظًا من حديث يحيى بن سعيد، وإنما يعرف من حديث يزيد بن الهاد، عن عبدالله بن خباب, عن أبي سعيد رضي الله عنه, وهذا الشيخ يحدث عن يحيى بأحاديث ليست بمحفوظة من حديث يحيى، فيها شيء يحفظ من حديث ابن الهاد وفيها مناكير، وليس ممن يضبط الحديث".

وقال ابن عدي في الكامل (1/569): "سمعت يحيى بن محمد بن صاعد يقول: انقلبت على إبراهيم بن صرمة نسخة ابن الهاد، فجعلها عن يحيى بن سعيد في الأحاديث كلها".

وقال ابن عدي: "ولإبراهيم بن صرمة أحاديث عن يحيى بن سعيد وعن غيره، وعامة أحاديثه إما أن تكون مناكير المتن، أو تنقلب عليه الأسانيد، وبين على أحاديثه ضعفه".

وقال الخطيب في تاريخه (7/11): "في حديثه غرائب لا يتابع عليها".

وضعفه الدارقطني في الضعفاء له (251)، ومشاه غيره.

 

* الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم في الباب:

2/ الأثر الأول:

أثر سلمان الفارسي رضي الله عنه:

قال عبدالرزاق في المصنف (1/510): عن ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (إذا كان الرجل بأرض قي([12]) فحانت الصلاة فليتوضأ، فإن لم يجد ماء فليتيمم، فإن أقام صلى معه ملكاه، وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه).

وأخرجه من طريق عبدالرزاق: ابن حبان كما في البدر المنير (3/313)، والطبراني في الكبير (6/249).

وتابع عبدالرزاق: داود بن أبي هند، فرواه عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل يكون بأرض قئ فيؤذن بحضرة الصلاة، ويقيم الصلاة، فيصلي إلا صف خلفه من الملائكة ما لا يرى قطراه، يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، ويؤمنون على دعائه).

أخرجه: البيهقي في السنن عن أبي حازم الحافظ (1/406)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب من طريق محمد بن علي بن عمرو الحافظ (3/29)، كلاهما عن أبي أحمد الحافظ، عن أبي عبدالرحمن محمد بن عبدالله البيروتي ببيروت، قال: ثنا إسحاق -يعني ابن سويد- الرملي، حدثني الوليد -يعني ابن النضر-، حدثني القاسم -يعني ابن غصن-، عن داود بن أبي هند ... به مرفوعًا.

وخالف القاسم بن غصن: الثوري، وهشيم، وأبو حفص الآبار، فرووه عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان، عن سلمان رضي الله عنه قال: (من صلى بأرض قي فإذن وأقام صلى خلفه من الملائكة ما لا يرى قُطْراه، يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، ويؤمنون بدعائه).

أخرجه: ابن المبارك في الزهد عن الثوري (132)، وسعيد بن منصور عن هشيم كما في تلخيص الحبير (2/544)، وأبو عبيد في غريب الحديث عن هشيم وأبي حفص الآبار واللفظ له (4/132)، والنسائي في الكبرى من طريق الثوري (10/401)، كلهم عن داود بن أبي هند ... به موقوفًا.

قال ابن المبارك في روايته -والنسائي من طريقه-: "وزادني سفيان، عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان([13])، عن سلمان رضي الله عنه قال: يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، ويؤمنون على دعائه"، وزاد أبو عبيد في رواية أبي حفص: "قال: فقلت لأبي عثمان: ما القي؟ قال: القفر".

وخالف عبدالرزاق: المعتمر بن سليمان، فرواه عن أبيه، عن أبي عثمان، عن سلمان رضي الله عنه، قال: (لا يكون رجل بأرض قي فيتوضأ، فإن لم يجد ماء تيمم، ثم ينادي بالصلاة، ثم يقيمها، إلا أم من جنود الله ما لا يرى طرفاه).

أخرجه: ابن أبي شيبة في المصنف (2/357): حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان .. به موقوفًا.

وتابع المعتمر: ابن المبارك، وعبدالوهاب بن عطاء، وحماد بن سلمة، فرووه عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان رضي الله عنه قال: (إذا كان الرجل بأرض قي فتوضأ، وإن لم يجد الماء فتيمم، ثم ينادي بالصلاة ثم يقيمها ثم يصليها، إلا أم من جنود الله عز وجل صفًا ما يرى طرفه -أو ما يرى طرفاه-).

أخرجه: ابن المبارك في الزهد (132)، والنسائي في الكبرى([14]) من طريقه (10/401)، وابن المنذر في الأوسط من طريق حماد (3/47)، وابن حبان في المجروحين من طريق يزيد([15]) بن سفيان (2/534)، وأبو نعيم في الحلية من طريق حماد بن سلمة (1/204)، والبيهقي من طريق عبدالوهاب وطريق يزيد بن سفيان (1/405، و406)، كلهم عن سليمان التيمي ... به موقوفًا.

وفي لفظ ابن المنذر (ما من مسلم يكون بفيء من الأرض فيتوضأ أو يتيمم فيؤذن ويقيم إلا أم جنودًا من الملائكة لا يرى طرفاهم أو أطرافهم)، وبنحوه أبو نعيم، وفي لفظ البيهقي (لا يكون رجل بأرض فئ فيتوضأ أو يتيمم صعيدًا طيبًا، فينادى بالصلاة ثم يقيمها فيصلي، وفي حديث أبي العباس فيقيمها إلا أم من جنود الله من لا يرى قطراه -أو قال طرفاه- شك التيمي).

وتابع سليمان التيمي: أبو هارون الغنوي، عن أبي عثمان، قال: قال سلمان رضي الله عنه: (ما كان رجل في أرض قي فأذن وأقام، إلا صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طرفاه).

أخرجه: ابن أبي شيبة في المصنف (2/359): حدثنا ابن علية، عن أبي هارون الغَنَوي([16])، قال: حدثنا أبو عثمان .. به موقوفًا.

المحفوظ عن سليمان التيمي هي الرواية الموقوفة، وأما الرواية المرفوعة فخطأ، قال البيهقي: "هذا هو الصحيح موقوف، وقد روي مرفوعًا ولا يصح".

وأما متابعة ابن أبي هند على رفعه فلا تصح، فإن في السند إليه القاسم بن غصن، وقد خالفه: هشيم والثوري وأبو حفص الآبار، فرووه عن ابن أبي هند موقوفًا، وهو المحفوظ عنه، والقاسم هو في نفسه متكلم فيه.

قال أحمد في الجرح والتعديل (7/116): "يحدث بأحاديث منكرة".

وقال أبو حاتم (السابق): "ضعيف الحديث".

وقال أبو زرعة (السابق): "ليس بقوي".

 

2/ الأثر الثاني:

أثر معاذ رضي الله عنه:

قال الإمام مالك في الموطأ (2/101): عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: (من صلى بأرض فلاة, صلى عن يمينه ملك، وعن شماله ملك، فإن أذن بالصلاة أو أقام، صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة).

وتابع مالكًا: ابن عيينة، فرواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: (من صلى بأرض فلاة فأقام صلى، عن يمينه ملك، وعن يساره ملك ومن أذن، وأقام صلى معه الملائكة أمثال الجبال).

أخرجه: عبدالرزاق في المصنف (1/510): عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد ... به مقطوعًا.

وخالفهما: الليث بن سعد، فرواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن ابن المسيب، عن معاذ رضي الله عنه به موقوفًا.

ذكر روايته الدارقطني في العلل([17]) (6/63)، فقال: "... رواه الليث بن سعد، عن يحيى، عن ابن المسيب عن معاذ رضي الله عنه، وخالفه مالك: فرواه عن يحيى، عن ابن المسيب قوله، وقول الليث أصح، ومن عادة مالك إرسال الأحاديث وإسقاط رجل".

أقول: متابعة ابن عيينة لمالك تأبى ذلك([18])، والمحفوظ هي روايتهما،٦ والله أعلم.

 

3. الأثر الثالث:

أثر عبدالله بن عمر رضي الله عنهما:

قال عبدالرزاق في المصنف (1/510): عن معمر، عن منصور، عن رجل، عن عبدالله بن عمر قال: (إذا كان الرجل بفلاة من الأرض فأذن، وأقام وصلى صلى معه أربعة آلاف من الملائكة، أو أربعة آلاف ألف من الملائكة).

وهذا ضعيف لوجود الرجل المبهم.

وهناك آثار في الباب ذكرها عبدالرزاق في المصنف عن مكحول، وطاووس بأسانيد صحيحة, والله أعلم.

قال ابن الملقن في البدر المنير (3/316): "... ثم قيل: المراد بالحديث إذا كان بالمدينة ونحوها؛ لأن المدينة على يسار الكعبة فيصير هنا صف أوله المشرق وآخره المغرب، وعلى مثل هذا حمل الحديث السائر: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، وقيل: المراد التقدير، بمعنى لو فعل هكذا صلى ومعه صف من الملائكة يبلغ هذا المقدار، حكاهما ابن الرفعة في مطلبه، قال: ولعل المراد بالملكين في خبر سعيد بن المسيب السابق الحفظة، لأنهما حاضران معه فلا يحتاجان إلى نداء".

 

والحمد لله رب العالمين.

 

 



([1]) قال الحافظ في التقريب (679): ثقة.

([2]) قال الكشميري في فيض الباري شرح البخاري (2/372): واعلم أن فضيلة الجماعة أمر مستمر، بخلاف الصلاة في الفلاة، فإنه قد يتفق له، فراع هذين البابين، فترك الجماعة عمدًا والذهاب إلى الصلاة في الفلاة لتحصيل أجر الخمسين سفه وحمق، فإنك إن فعلته عمدًا يفوت عنك ثواب الجماعة أيضًا، وإن اتفق لك تحرز ما وعد لك.

([3]) وقد رواه ابن ماجة من طريق أبي كريب (1/504)، ولم يذكر موضع الشاهد فيه.

([4]) لم أقف على روايته عن أبي معاوية فيما بين يدي من مصادر.

([5]) سقط من المطبوع لفظة (فلاة)، وهي عند ابن أبي شيبة في المصنف، وهكذا رواها عن ابن أبي شيبة: عبد بن حميد، وهكذا رواها ابن حبان عن أبي يعلى.

([6]) قال الناجي الحلبي في عجالة الإملاء (468) بعد أن نقل كلام الحاكم: وهذا خطأ فاحش، ووهم قبيح ظاهر، فإن هلالاً الذي روى حديث الأصل انفرد بالرواية عنه أبو داود وابن ماجة دون بقية الجماعة، وهو مبين في نفس الرواية، هلال بن ميمون بدون أداة الكنية في أبيه كما تخيله الحاكم وهمًا من وجوه، وظنًا أنه هلال بن أبي ميمونة بهاء التأنيث الآتي، وإنما هو هلال بن ميمون الجهني، ويقال: الهذلي أبو علي، ويقال: أبو المغيرة، ويقال: أبو معبد الفلسطيني الرملي نزل الكوفة.

وانظر: صحيح سنن أبي داود للعلامة الألباني رحمه الله (3/87).

([7]) عزى ابن كثير الحديث في مسند أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (472) إلى البزار من رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، ولم أقف عليه في المسند لنقص مسند أبي سعيد فيه. 

([8]) انظر جامع الأصول (6/609).

([9]) قول الزيلعي في نصب الراية (2/23) عن رواية هلال بن ميمون: (إسنادها جيد)، حكم على السند دون النظر إلى العلة المتنية.

([10]) السابق (180).

([11]) انظر: ميزان الاعتدال (3/502).

([12]) قال قوام السنة في الترغيب والترهيب (3/30): قي: أي خالية ليس بها أحد.

([13]) وقع في السنن الكبرى طبعة الرسالة، وتحفة الأشراف (4/32): ابن أبي عثمان، وهو تصحيف.

([14]) عزاه ابن الملقن في البدر المنير (3/314) للنسائي في الكبرى مرفوعًا، وتبعه الحافظ في التلخيص (2/543)، والذي في تحفة الأشراف (4/32) موقوفًا، وكذا هو في الزهد لابن المبارك.

([15]) قال ابن حبان في المجروحين: "لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد لكثرة خطئه، ومخالفته الثقات في الروايات"، وقد أخرج الحديث في ترجمته، ولم ينفرد به.

([16]) قال الحافظ في التقريب (1217): أبو هارون الغنوي اسمه: إبراهيم بن العلاء، ثقة.

([17]) ولم أقف عليها مسندة.

([18]) قد يفوت النقاد بعض المتابعات فيحكم لأحد الرواة، فإذا بين له ربما عاد عند الحكم الأول ورجح رواية من توبع.

قال الدارقطني في العلل (8/19) عند كلامه على حديث (يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نجد في أنفسنا أشياء ..): " ... رواه عيسى بن يونس، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وخالفه: الفضل بن موسى، فرواه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلاً، قيل له: قد اتفق يزيد بن هارون، ومحمد بن عبيد، والمحاربي، وأسباط، وعبدالرحيم بن سليمان مع عيسى بن يونس على روايتهم، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا، فلم حكمت للفضل بن موسى بالصواب؟ فرجع الشيخ عن ذلك، وقال: المسند أصح، ولا نحكم للفضل بن موسى على هؤلاء".