السبت، 14 مارس 2026

تخريج حديث دعاء الاستفتاح (سبحانك اللهم وبحمدك ...)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تخريج حديث دعاء الاستفتاح (سبحانك اللهم وبحمدك ...)

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وزوجاته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

فهذا بحث في تخريج حديث دعاء الاستفتاح (سبحانك اللهم وبحمدك ...) من وراية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو أشهر حديث فيه وأصحها سندًا.

قال الترمذي في السنن (1/282): "وحديث أبي سعيد رضي الله عنه أشهر حديث في الباب".

وقال ابن خزيمة في الصحيح (1/238): "... وأحسن إسناد نعلمه روي في هذا خبر أبي المتوكل، عن أبي سعيد رضي الله عنه".

وقال عبدالحق في الأحكام الوسطى له (1/372): "هذا أشهر حديث في هذا الباب".

فأقول مستعينًا بالله.

روى جعفر بن سليمان الضبعي، عن علي بن علي الرفاعي([1])، عن أبي المتوكل الناجي([2])، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك([3])).

أخرجه: عبدالرزاق في المصنف (2/75)، وابن أبي شيبة في المصنف عن زيد بن الحباب واللفظ له (2/402)، وأحمد في المسند عن محمد بن الحسن بن أتش وعن حسن بن الربيع (18/199)، والمؤمل بن إيهاب في جزءه عنه (101)، والدارمي في المسند عن زكريا بن عدي (2/28)، وأبو داود في السنن عن عبدالسلام بن مطهر (1/490)، والترمذي في السن عن محمد بن موسى البصري (1/282)، والنسائي في المجتبى من طريق عبدالرزاق وطريق زيد بن الحباب (2/330)، وابن ماجة في السنن من طريقه (2/5)، وابن خزيمة في الصحيح عن محمد بن موسى الحَرَشي (1/238)، وحنبل في جزءه عن الحسن بن الربيع (96)، وأبو يعلى في المسند عن إسحاق بن أبي إسرائيل (2/358)، وابن المنذر في الأوسط من طريق عبدالرزاق (3/233)، والطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق عبدالسلام بن مطهر وطريق الحسن بن الربيع (1/197، و198)، وابن السماك في التاسع من فوائده من طريق الحسن بن الربيع (2/569)، وابن المقرئ في معجمه من طريقه (195)، والدارقطني في السنن من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل (2/58)، والطبراني في الدعاء من طريق الحسن بن الربيع وطريق عبدالسلام بن مطهر (2/968)، وتمام في الفوائد من طريق سيار بن حاتم (1/54)، وابن بشران في الأمالي من طريق الحسن بن الربيع (2/258، و326)، والبيهقي في السنن من طريق زكريا بن عدي (2/34)، وفي الخلافيات من طريق عبدالسلام بن مطهر (2/260)، والمزي في تهذيب الكمال من طريق الحسن بن الربيع (21/76)، وابن حجر في نتائج الأفكار من طريق عبدالرزاق وطريق الحسن بن الربيع وطريق عبدالسلام (1/402)، كلهم عن جعفر بن سليمان الضبعي، عن علي بن علي الرفاعي ... به.      

وفي لفظ عبدالرزاق ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل فاستفتح صلاته كبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يهلل ثلاثًا ويكبر ثلاثًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم)، وفي لفظ لأحمد (إذا قام من الليل واستفتح صلاته وكبر قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه، ثم يقول: الله أكبر ثلاثًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه)، وفي لفظ الدارمي (إذا قام من الليل فكبر، قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه ثم يستفتح صلاته)، وقال: (قال جعفر: وفسره مطر: همزه: الموتة، ونفثه: الشعر، ونفخه: الكبر([4])) وبنحوه ابن بشران، وجعله البيهقي في روايته من كلام جعفر، وفي لفظ أبي داود ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا([5])، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، ثم يقرأ) ومثله الطحاوي، وفي لفظ الترمذي (إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم ...، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع ...)، وفي لفظ ابن خزيمة (... إذا قام من الليل إلى الصلاة كبر ثلاثًا، ثم قال: سبحانك اللهم ... ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاث مرات، ثم يقول: الله أكبر ثلاثًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم ...)، وفي لفظ أبي يعلى (... إذا قام من الليل استفتح صلاته فكبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثلاثًا، لا إله إلا الله والله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه، ثم يقرأ)، وفي لفظ الدارقطني ( ... إذا قام من الليل استفتح صلاته فكبر قال: سبحانك اللهم وبحمدك ربنا وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثلاثًا, أعوذ بالله السميع العليم ...)، وفي لفظ تمام (إذا قام من الليل رفع يديه فكبر ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، الله أكبر ثلاثًا، لا إله إلا الله ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العليم ...)، وفي لفظ ابن بشران (... إذا قام من الليل هلل ثلاثًا: لا إله إلا الله، والله أكبر ثلاثًا، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك ...)، وفي لفظ البيهقي (... إذا قام من الليل فاستفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك ...، قال: ثم هلل ثلاثًا: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ثم كبر ثلاثًا: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أعوذ بالله السميع العليم ...)، واختصره ابن المنذر فذكر الإستعاذة فقط.

 وخالف جعفر بن سليمان: علي بن الجعد([6])، فرواه عن علي بن علي الرفاعي، عن الحسن قال: (  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل قال: لا إله إلا الله ثلاثًا، الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزة ونفخه ونفثه)، قال: فسئل عنها؟ قال: همزه: موتة الجنون([7])، وأما نفثه: فالشعر، وأما نفخه فالكبر".

أخرجه: ابن أبي الدنيا في التهجد وقيام الليل (456)، قال: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا علي بن علي الرفاعي، عن الحسن ... به مرسلاً([8]).

وتابع علي بن الجعد: عمران بن مسلم([9])، فرواه عن الحسن (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يريد أن يتهجد قال قبل أن يكبر: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، والله أكبر كبيرًا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه، قال ثم يقول: الله أكبر) ورفع عمران بيديه يحكى".

أخرجه: أبو داود في المراسيل (88)، قال: حدثنا أبو كامل([10])، أن خالد بن الحارث([11]) حدثهم، حدثنا عمران بن مسلم أبو بكر ... به مرسلاً.

الكلام على الأسانيد:

1. المحفوظ عن علي بن علي الرفاعي هي رواية علي بن الجعد المرسلة، فهو أوثق من جعفر بن سليمان، وقد وهم فيه جعفر بن سليمان عندما وصله، قال أبو داود في السنن: "وهذا حديث يقولون: هو عن علي بن علي، عن الحسن مرسلاً([12])، الوهم من جعفر".

والحديث ضعفه الإمام أحمد، قال عبدالله في مسائله (1/247): "وقال: اختار افتتاح الصلاة بــــ (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم)، هذا أعجب إلي، وحديث أبي المتوكل عن أبي سعيد رضي الله عنه كأنه لم يحمد إسناده".

وقال في مسائل الكوسج (2/512): "وذكر له حديث علي بن علي فلم يعبأ به شيئًا".

وقال الترمذي في السنن: "وقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد رضي الله عنه، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي([13])، وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث".

قال ابن رجب في فتح الباري (6/430): "وإنما تكلم أحمد في هذا الحديث، لأنه روي عن علي بن علي، عن الحسن مرسلاً([14])، وبذلك أعله أبو داود".

ثم جعفر قد تكلم فيه بعض أهل العلم، قال ابن عدي في الكامل (2/379): "حدثنا ابن حماد، حدثنا عباس، عن يحيى قال: جعفر بن سليمان الضبعي كان يحيى بن سعيد لا يكتب حديثه، وفي موضع آخر: كان يحيى بن سعيد لا يروي عن جعفر بن سليمان، وكان يستضعفه".

وقال ابن سعد في طبقاته (7/288): "وكان ثقة، وبه ضعف".

وقال أبو طالب كما في الجرح والتعديل (2/481): "قال أحمد: جعفر بن سليمان لا بأس به، فقيل له: إن سليمان بن حرب يقول: لا يكتب حديثه، فقال: حماد بن زيد لم يكن ينهى عنه، إنما كان يتشيع، وكان يحدث بأحاديث -يعني في فضل على رضي الله عنه- وأهل البصرة يغلون في على رضي الله عنه، وعامة حديثه رقائق، روى عنه عبدالرحمن بن مهدي وغيره".

وقال الجوزجاني في الشجرة في أحوال الرجال (184): "روى أحاديث منكرة، وهو ثقة متماسك، كان لا يكتب".

وقال محمد بن عبدالله بن عمار كما في المختلف فيهم لابن شاهين (23): "هو ضعيف".

وقال الحافظ في التقريب (199): "صدوق زاهد ..".

وقد تفرد به. قال عبدالله بن الإمام أحمد كما في تنقيح التحقيق لابن عبدالهادي (2/154): "لم يروه إلا جعفر بن سليمان عن علي بن علي، عن أبي المتوكل".

والحديث قد ضعفه بعض أهل العلم، قال ابن خزيمة في الصحيح (1/238): "... فقد رويت أخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في افتتاحه صلاة الليل بدعوات مختلفة الألفاظ، قد خرجتها في أبواب صلاة الليل، أما ما يفتتح به العامة صلاتهم بخراسان من قولهم: (سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، فلا نعلم في هذا خبرًا ثابتًا عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل المعرفة بالحديث، وأحسن إسناد نعلمه روي في هذا خبر أبي المتوكل، عن أبي سعيد رضي الله عنه([15])".

وهو مقتضى كلام ابن المنذر في الأوسط (3/235) حيث قال: "أحسن شيء روي في هذا الباب حديث عبدالله بن مسعود، وحديث جبير بن مطعم رضي الله عنهما، رواه عباد بن عاصم، وعاصم العنزي، وهما مجهولان لا يدري من هما".

وقال البيهقي في الخلافيات: "بعد أن ذكر حديث علي وعائشة([16]) وأبي سعيد رضي الله عنهم: "وليس في الاستفتاح بــ (سبحانك اللهم وبحمدك ..) حديث أسلم من هذه الأحاديث الثلاثة، وفيها ما فيها"([17]).

وقال المناوي في كشف المناهج والتناقيح (1/344): "وقد رواه أبو داود أيضًا من حديث أبي سعيد رضي الله عنه بزيادة فيه، وهو أيضًا ضعيف ... وقال: "ذكر الشيخ محب الدين الطبري في أحكامه هذا الحديث من رواية أبي سعيد رضي الله عنه، وقال فيه: "أخرجه السبعة" يعني أصحاب الكتب الستة وأحمد، وهذا عجب منه، كيف يجعل الحديث في الصحيحين وليس هو كذلك، بل ولا هو حديث صحيح بل ضعيف كما بيناه، وهذا وهم فاحش نبهت عليه كي لا يغتر به الناظر في كلامه، فاعلم ذلك".

ثم إنه اضطرب في لفظه كثيرًا، قال ابن خزيمة في الصحيح: "وهذا الخبر لم يسمع في الدعاء لا في قديم الدهر ولا في حديثه، استعمل هذا الخبر على وجهه، ولا حكي لنا عن من لم نشاهده من العلماء أنه كان يكبر لافتتاح الصلاة ثلاث تكبيرات، ثم يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك إلى قوله: ولا إله غيرك)، ثم يهلل ثلاث مرات، ثم يكبر ثلاثًا".

وقد صححه بعض أهل العلم، قال العيني في نخب الأفكار (3/521): "... فإن قيل: ما حكم هذا الحديث؟ قلت: صحيح، لأن رجاله ثقات".

أقول: ثقة الرجال وحدها لا تكفي في صحة الحديث، فلابد مع ذلك من انتفاء العلة والشذوذ عن الحديث كما لا يخفى.

وقال الحافظ في نتائج الأفكار (1/403) بعد أن حسنه: "... وأما النسائي فسكت عليه، فاقتضى أنه لا علة له عنده".

أقول: الصواب مع من أبان عن علته، ولعلها خفيت علته على النسائي.

2. هذا الدعاء في الاستفتاح ثابت عن عمر رضي الله عنه، فقد قال الأسود: "سمعت عمر رضي الله عنه يقول حين افتتح الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".

أخرجه: ابن أبي شيبة في المصنف (2/395)، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي وائل، عن الأسود بن يزيد، قال: (رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه افتتح الصلاة فكبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك).

وقال (2/396)، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود ... به موقوفًا.

وقال (2/397): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود عنه رضي الله عنه.

وقال عبدالرزاق في المصنف (2/57): عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود ... به.

وقال ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (3/67): وحدثنا أبو نعيم، قال: نا سفيان، عن منصور .. به.

وقال ابن أبي شيبة (2/396): حدثنا وكيع، عن ابن عون، عن إبراهيم، عن علقمة: "أنه انطلق إلى عمر رضي الله عنه، فقالوا له: احفظ لنا ما استطعت، فلما قدم قال فيما حفظت: أنه توضأ مرتين ونثر مرتين، فلما كبر أو فلما قام إلى الصلاة، قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك".

وأخرجه مسلم في الصحيح لكنه منقطع([18]).

وهو صحيح عن عمر رضي الله عنه قد صححه أهل العلم، قال ابن خزيمة في الصحيح (1/240): "لست أكره الافتتاح بقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك ...) على ما ثبت عن الفاروق رضي الله عنه أنه كان يستفتح الصلاة، غير أن الافتتاح بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في خبر علي بن أبي طالب، وأبي هريرة رضي الله عنهما وغيرهما، بنقل العدل عن العدل موصولاً إليه صلى الله عليه وسلم أحب إلي، وأولى بالاستعمال إذ إتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وخير من غيرها".

وقال الدارقطني في السنن (2/61): "وهذا صحيح عن عمر رضي الله عنه قوله".

وقال البيهقي في الخلافيات (2/262): "وهذا عن عمر رضي الله عنه ثابت".

وقال ابن رحب في الفتح له (6/377): "صح هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، روي عنه من وجوه كثيرة".

وقال الحافظ في نتائج الأفكار (1/406): "هذا موقوف صحيح".

3. هذا الدعاء اختيار الإمام أحمد رحمه الله. قال أبو داود  في مسائله (46): "قلت لأحمد: استفتاح الصلاة: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)؟ قال: نعم، وسألته مرة أخرى؟ فقال: نحن نذهب إلى استفتاح عمر رضي الله عنه".

وقال المروزي: "(سألت أبا عبدالله عن استفتاح الصلاة؟ فقال: نذهب فيه إلى حديث عمر رضي الله عنه، وقد روى فيه من وجوه ليست بذاك".

وقال الترمذي عقب حديث أبي سعيد رضي الله عنه: "وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث، وأما أكثر أهل العلم، فقالوا: إنما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، وهكذا روي عن عمر بن الخطاب، وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين، وغيرهم".

 

والله أعلم والحمد لله رب العالمين

أ. د. عبدالله بن غالي أبو ربعة السهلي

 



([1]) قال الحافظ في التقريب (702): لا بأس به رمي بالقدر، وكان عابدًا.

([2]) هو علي بن داود. قال الحافظ في التقريب (695): ثقة.

([3]) قال حرب الكرماني في مسائله (382): سئل أبو عبدالله عن قوله في افتتاح الصلاة؟ قال: هو (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) كله بالواو.

([4]) انظر: الأوسط لابن المنذر (3/232).

([5]) سقطت كلمة (ثلاثًا) من مطبوعة شرح معاني الآثار، وذكرها العيني في نخب الأفكار (3/520).

([6]) قال الحافظ في التقريب (691): ثقة ثبت.

([7]) قال عبدالحق في الأحكام الوسطى له (1/372): وقال غيره: ليس الموتة بصميم الجنون، وإنما هو شيء يأخذ الإنسان شبه السبات.

([8]) لم يخرج الرواية المرسلة أصحاب التخاريج في كتبهم: كابن الملقن والزيلعي والحافظ ابن حجر وغيرهم كابن القطان الفاسي وابن عبدالهادي، وإنما ذكروها في كتبهم معلقة.

([9]) قال الحافظ (752): صدوق ربما وهم.

([10]) هو فضيل بن حسين. قال الحافظ (785): ثقة حافظ.

([11]) قال الحافظ (284): ثقة ثبت.

([12]) تنبيه: قال عبدالحق في الأحكام الوسطى له (1/372): هذا أشهر الحديث في هذا الباب، على أنهم يرسلونه عن علي بن علي، عن أبي المتوكل، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

هكذا قال، فردد عليه ابن القطان الفاسي في بيانه (2/120).

([13]) الشأن ليس في علي بن علي، إنما في جعفر أخطأ فيه.

([14]) وبذلك تعلم ما في كلام العلامة الألباني رحمه الله من نظر عندما قال في كتاب الصلاة الأصل (1/253): ولعل الإمام أحمد يريد نفي الصحة المصطلح عليها وهي التي فوق الحسن، فلا ينافي حينئذ كون الحديث حسنًا.

([15]) وهذا لا يعني أنه يحسنه كما لا يخفى.

([16]) حديث علي وحديث عائشة رضي الله عنهما أخرجهما مسلم في الصحيح (200، و201).

([17]) وأقوى منهما حديث أبي هريرة في الصحيحين. قال ابن رجب في الفتح له (6/386): وقال أحمد في رواية الميموني: ما أحسن حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الاستفتاح، يعني: الحديث الذي خرجه البخاري هاهنا.  

([18]) قال ابن عبدالهادي في التحقيق (2/150): وهو منقطع، فإن عبدة -وهو ابن أبي لبابة- لم يدرك عمر رضي الله عنه، وإنما رواه مسلم لأنه سمعه مع حديث غيره، فرواهما جميعًا وإن لم يكن على شرطه.

 

الأحد، 22 فبراير 2026

تخريج حديث الدعاء عند رؤية الهلال

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرين الطيبين ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

فهذه بحث في تخريج حديث الدعاء عند رؤية الهلال:

·       أولاً حديث ابن عمر رضي الله عنهما:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال: الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحبه ربنا ويرضى، ربنا وربك الله).

أخرجه: الدارمي في سننه واللفظ له (2/205)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (38/310)، قال الدرامي: أخبرنا سعيد بن سليمان، عن عبدالرحمن بن عثمان بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن أبيه وعمه، عن ابن عمر رضي الله عنهما … به.

وخالف الدارمي: محمد بن يحيى المروزي، وابن مساور -وهو أحمد بن القاسم بن مساور-، فروياه عن سعيد بن سليمان الواسطي، قال: حدثنا عبدالرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، عن أبيه وعن عمه، عن ابن عمر رضي الله عنهما … به.

أخرجه: أبو بكر الأثرم في ناسخ الحديث ومنسوخه تعليقًا (199)، وابن حبان في صحيحه من طريق المروزي (3/171)، والبيهقي في الدعوات الكبير من طريق ابن مساور (2/124)، وابن عساكر في تاريخه من طريقه (38/310)، كلاهما عن سعيد بن سليمان به.

وفيه (والتوفيق لما تحب وترضى).

وقع في طبعة الدعوات الكبير للبيهقي (أبي مساور) وهو تصحيف.

وخالفهم: محمد بن الفضل السقطي، فرواه عن سعيد بن سليمان، عن عثمان بن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه وعمه، عن ابن عمر رضي الله عنهما … به.

أخرجه: الطبراني في الكبير (12/273)، قال: حدثنا محمد بن الفضل السقطي، ثنا سعيد بن سليمان به.

وفيه (والتوفيق لما تحب وترضى).

 

الكلام على الروايات:

أولاً: المحفوظ عن عبدالرحمن بن عثمان هي رواية الدارمي، ويؤيده رواية الطبراني فإنه أخرجها في ترجمة إبراهيم بن محمد بن حاطب، وكذا جعل الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة (8/263) الحديث تحت ترجمة إبراهيم بن محمد، لكنه سقط من سنده عنده (عن أبيه) الثانية، وأما محمد بن يحيى بن سليمان المروزي -وهو صدوق قاله الدارقطني في سؤالات الحاكم (142)- فقد قصر في روايته حيث أسقط من سنده إبراهيم بن محمد بن حاطب، ولا تنفعه متابعة أحمد بن القاسم بن مساور الجوهري -وثقه الخطيب في تاريخه (5/574)- فإن في سند إليه محمد بن الحسن بن محمد بن زياد المقرئ النقاش. قال الخطيب في تاريخه (2/606): "في أحاديثه مناكير بأسانيد مشهورة ... وقال: حدثني عبيدالله بن أبي الفتح، عن طلحة بن محمد بن جعفر أنه ذكر النقاش فقال: كان يكذب في الحديث، والغالب عليه القصص".

وقال: "سألت أبا بكر البرقاني: عن النقاش؟ فقال: كل حديثه منكر".

ويحتمل أن يكون هذا التخليط من عبدالرحمن بن عثمان -إن كان النقاش ضبطه-، ويؤيده ما وقع عند الأثرم في ناسخ الحديث ومنسوخه، وما وقع أيضًا في الجرح والتعديل في ترجمة عبدالرحمن كما سيأتي.

وأما رواية محمد بن الفضل السقطي فقد سقط منها عبدالرحمن بن عثمان ولابد منه، فإن سعيد بن سليمان إنما يرويه عنه.

ثانياً: الحديث لا يصح، في سنده عبدالرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب. قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (5/264): "عبدالرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب: روى عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما، وعمه، روى عنه سعيد بن سليمان، وزكريا بن يحيى بن صبيح، وأبو معمر، وعثمان بن أبى شيبة، سمعت أبى يقول ذلك، نا عبدالرحمن قال: سألت أبى عنه؟ فقال: هو ضعيف الحديث، يهولني كثرة ما يسند".

وذكره ابن حبان في الثقات له (8/372).

ثالثاً: في سنده أيضًا عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب. قال البخاري في التاريخ الكبير (6/212): "عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب القرشي، رأى ابن عمر رضي الله عنهما، وأمه، سمع منه يعلى بن عبيد، وابنه عبدالرحمن، أصله من المدينة، وسمع منه بعض العراقيين".

وأمه هي عائشة بنت قدامة بن مظعون كما في نسب قريش للزبيري (3977)، وفي جمهرة نسب قريش للزبير بن بكار (2/893)، وطبقات ابن سعد (8/468)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (38/314).

وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (6/144): "عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب الجمحي، رأى ابن عمر رضي الله عنهما، وعائشة بنت قدامة بن مظعون، روى عنه شريك بن عبدالله، ويعلى بن عبيد، وابنه عبدالرحمن بن عثمان، سمعت أبى يقول ذلك، وروى عن أبيه محمد بن حاطب، سألت أبى عنه؟ فقال: روى عنه ابنه عبدالرحمن أحاديث منكرة، قلت: فما حاله؟ قال: يكتب حديثه، وهو شيخ".

وذكره ابن حبان في الثقات له (5/159).

وبه أعله الهيثمي في المجمع، وقال (10/139): "رواه الطبراني، وفيه عثمان بن إبراهيم الحاطبي، وفيه ضعف، وبقبة رجاله ثقات".

أقول: عصب الجناية برأسه عبدالرحمن أولى، ولعل عذر الهيثمي أنه لم يقع له في إسناد الطبراني عبدالرحمن.

وقال الذهبي في الميزان في ترجمة عثمان بن إبراهيم (2/30): "له ما ينكر، وقال أبو حاتم: عن أبيه أحاديث منكرة".

كذا قال رحمه الله نقلاً عن أبي حاتم، والذي في الجرح والتعديل كما سبق أن ابنه عبدالرحمن هو الذي روى عنه أحاديث منكرة، وقد لاحظ ذلك الحافظ ابن حجر في اللسان (4/130) فنقل عبارة أبي حاتم رحمه الله عقب قول الذهبي، وقد أحسن السخاوي في التحفة اللطيفة (2/139) حيث نقل عبارة أبي حاتم في ترجمة عبدالرحمن بن عثمان.

رابعاً: قوله في رواية الدارمي (وعن عمه) يعني أخًا لإبراهيم بن محمد، وأخوته الذين وقفت على أسماءهم من خلال كتب الرجال: عمر والحارث وسعيد ولقمان، وإبراهيم أكبرهم وبه كان يكنى محمد بن حاطب، لكني لم أقف على كون أحد منهم روى الحديث، ولم يذكرهم من وقفت عليه ممن ألف في نسب قريش من ولد محمد بن حاطب.

وأما على رواية محمد بن يحيى المروزي فيكون أخًا لعثمان، ولعله: قدامة بن إبراهيم. قال الزبير بن بكار في جمهرة نسب قريش (2/892): "ومن ولد محمد بن حاطب: قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، روى الحديث، وأدرك عبدالله بن عمر رضي الله عنه ... وعثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب يروى عنه الحديث وأمه وأم أخيه قدامة بن إبراهيم: عائشة بنت قدامة بن مظعون".

وقال البخاري في التاريخ الكبير (7/178): "قدامة بن محمد بن حاطب الجمحي القرشي سمع ابن عمر رضي الله عنهما، روى عنه عبدالله بن جعفر والد علي".

وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (7/127): "قدامة بن محمد بن حاطب الجمحي القرشي، روى عن ابن عمر رضي الله عنهما، وعمر بن عبدالعزيز، روى عنه عبدالله بن جعفر المديني -والد على بن المديني-، وصدقة بن بشير مولى آل عمر، سمعت أبي يقول ذلك".

وقد نسباه إلى جده كما في تهذيب الكمال للمزي في ترجمته.

وقال ابن حبان في الثقات (5/319): "قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب الجمحي القرشي، يروى عن ابن عمر وأنس بن مالك رضي الله عنهم، روى عنه قرة بن خالد، والثوري، وجرير بن عبدالحميد الضبي".

وقدامة هذا في عداد المجهولين.


 

·       حديث طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه:

   روى سليمان بن سفيان المديني، عن بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيدالله، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان إذا رأى الهلال قال: اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله).

أخرجه: الإمام أحمد واللفظ له (3/17)، وعبد بن حميد في المسند (المنتخب 45)، والدارمي في المسند عن محمد بن يزيد الرفاعي وإسحاق بن إبراهيم (2/205)، والبخاري في التاريخ الكبير عن إسحاق وعبدالله بن محمد (1/109)، والترمذي في السنن عن محمد بن بشار (5/447)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير عن زهير بن حرب (2/935)، وابن أبي الدنيا في الدعاء عن أبي خيثمة زهير (232)، وابن أبي عاصم في السنة عن محمد بن الوليد بن حمدان البسري (1/268)، والبزار في البحر الزخار عن محمد بن المثنى (3/162)، وأبو يعلى في المسند من طريقه وطريق هارون بن موسى الحمال (2/26)، والعقيلي في الضعفاء من طريق محمد بن إسماعيل (2/519)، والطبراني في الدعاء من طريق أحمد وطريق هارون وطريق إسحاق (2/1151)، وابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق موسى بن محمد بن حيان وهارون بن عبدالله (عجالة الراغب 2/730)، وابن عدي في الكامل من طريقهما (4/264)، والحاكم في المستدرك من طريق أحمد بن زياد بن مهران (7/520)، والبيهقي في الدعوات من طريق محمد بن يونس وطريق علي بن عبدالله (2/122)، والخطيب في تاريخه من طريق محمد بن المثنى (16/475)، والشجري في الأمالي من طريق موسى بن حيان (1/262)، والبغوي في شرح السنة من طريق محمد بن رافع (5/128)، والضياء في المختارة من طريق هارون بن موسى الحمال (3/22، و23)، كلهم عن أبي عامر العقدي، عن سليمان بن سفيان به.  

وفي لفظ الدارمي والبخاري وابن أبي عاصم والبزار وابن السني وابن عدي والخطيب وفي لفظ للبيهقي (بالأمن والإيمان)، وزاد ابن أبي عاصم (غير ضالين ولا مضلين)، وفي رواية للبيهقي (ربي وربك الله عز وجل).

وتابع العقدي: أسد بن موسى، فرواه عن سليمان بن سفيان به.

أخرجه: أبو الحسن العبدويي في المنتقى له، فقال: حدثنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد إملاء، حدثنا محمد بن سليمان القرشي المصري، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا سليمان بن سفيان، عن بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيدالله عن أبيه, عن جده رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله).

الكلام على الرواية:

أولاً:الحديث لا يصح، في سنده سليمان بن سفيان المدني. قال ابن معين في رواية الدوري (3/236): "سليمان بن سفيان مدني يروى عنه أبو عامر العقدي حديث (الهلال) وليس بثقة".

وقال البخاري في العلل الكبير للترمذي (324): "سليمان المدني هذا منكر الحديث".

وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (4/119): "هو ضعيف الحديث، يروى عن الثقات أحاديث منكرة".

وقال أبو زرعة: "مديني منكر الحديث، روى عن عبدالله بن دينار ثلاثة أحاديث كلها -يعني مناكير-، وإذا روى المجهول المنكر عن المعروفين فهو كذا - كلمة ذكرها-".

وقال يعقوب بن شيبة في مسنده (إكمال مغلطاي6/62): "له أحاديث مناكير".

وقال ابن الجارود (السابق): "ليس بثقة".

وقال النسائي في الضعفاء (120): "ليس بثقة".

وقال ابن حبان في الثقات (6/384): "كان يخطيء".

وقال الدارقطني في العلل (12/393): "مدني ليس بالقوي، ينفرد بما لا يتابع عليه".

وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى (4/413): "حديثه ليس بالقائم".

وقال الذهبي في المقتنى (1/326): "واه".

وقال الحافظ في التقريب (408): "ضعيف".

كذا قال الحافظ، والذي يدل عليه كلام النقاد أنه أسوء حالاً من ذلك.

وهو مقل، وقد تفرد به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".

وقال البزار: "الحديث لا نعلمه يروى عن طلحة بن عبيدالله إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد".

وأما قول العقيلي: "ولا يتابع عليه إلا من جهة تقاربه في الضعف".

أقول: لعل هؤلاء الضعفاء سرقوا الحديث، فإنه لا يعرف إلا من جهته.

وفيه أيضًا: بلال بن يحيى في عداد المجاهيل.

قال ابن أبي حاتم (2/379): "بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيدالله، روى عن أبيه، روى عنه سليمان بن سفيان المديني. سمعت أبي يقول ذلك".

وذكره ابن حبان في ثقاته (6/90).

وقال الحافظ في التقريب (180): "لين".

قال العقيلي في الضعفاء (2/519): "وفي الدعاء لرؤية الهلال أحاديث، كان هذا عندي من أصلحها إسنادًا، كلها لينة الأسانيد".

ثانياً: قوله في رواية ابن أبي عاصم عن شيخه محمد بن الوليد -وثقه الحافظ- (غير ضالين ولا مضلين) زيادة شاذة، لم يقلها إلا محمد بن الوليد هذا.

ثالثاً: المتابعة لأبي عامر العقدي لا تصح في سندها محمد بن سليمان بن أبي فاطمة. قال الذهبي في الميزان (3/573): "قال الدارقطني: كذاب يضع الحديث".

 

·       حديث حدير السلمي:

روى أبي عمرو الأزدي، عن بشير مولى معاوية، قال: سمعت عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهم: حدير أبو فروة، يقولون: إذا رأوا الهلال اللهم اجعل شهرنا الماضي خير شهر، وخير عاقبة، وأرسل علينا شهرنا هذا بالسلامة والإسلام والأمن والإيمان والمعافاة والرزق الحسن).

أخرجه: البخاري في تاريخه عن عبدالله بن صالح (2/103) عن أبي عمرو الأزدي.

ووقع فيه (بشير مولى معاوية سمع عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحدهم فروة في رؤية الهلال).  

وتابع عبدالله بن صالح: ابن وهب، فرواه عن معاوية بن صالح، عن أبي عمرو الأزدي، عن بشير مولى معاوية قال: سمعت عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهم حدير أبو فروة ... به.

أخرجه: الدولابي (2/910)، وابن السني في عمل اليوم والليلة عن أبي العباس بن قتيبة (عجالة الراغب 2/735)، وابن منده في معرفة الصحابة تعليقًا (1/438)، وأبو نعيم في تاريخه كذلك (2/894)، وابن عساكر في تاريخه من طريق الدولابي (10/315)، كلاهما عن موهب بن يزيد بن خالد، عن عبدالله بن وهب به.

وفي لفظ ابن السني (سمعت عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهم أبو فوزة ... وفيه: وخير عافية، وأدخل علينا شهرنا هذا بالسلامة والإسلام والأمن والإيمان والمعافاة والرزق الحسن)، وانقلب اسم شيخ أبي العباس ابن قتيبة عليه فقال: (يزيد بن موهب)، وفي رواية ابن منده وأبو نعيم ( أحدهم حدير أبو فوزة).

وخالفه: زياد، فرواه عن حدير أبي فوزة السلمي (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: اللهم بارك لنا في شهرنا هذا الداخل ...) فرفعه.

أخرجه: ابن منده في معرفة الصحابة (1/437)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (12/238)، وابن أبي جردة في تاريخه حلب (5/2141)، قال ابن منده: أخبرنا أحمد بن عبدالله بن صفوان النصري، قال: حدثنا إبراهيم بن دحيم، قال: حدثنا هشام، عن صدقة بن خالد، عن عثمان بن أبي عاتكة، قال: حدثني أخ لي يقال له: زياد ... وقال: توالى على هذا الدعاء ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سمعوه منه، والسابع صاحب الفرس الجرور، والرمح الثقيل: حدير أبو فوزة السلمي.

ووقع في رواية ابن عساكر (... والسابع صاحب الفرس الخزبور، والرمح الثقيل: حدير أبو فروة السلمي).

ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة عن ابن دحيم تعليقًا (2/894)، ووقع فيه (صاحب الفرس الحرون، والرمح الثقيل حدير أبو فوزة السلمي).

وخالف هشام بن عمار: الوليد بن مسلم، فرواه عن عثمان بن أبي عاتكة، عن شيخ من أشياخهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: اللهم أدخله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، والسكينة والعافية، والرزق الحسن)، فقيل للشيخ: من حدثك؟ قال: صاحب الفرس الحرور، والرمح الثقيل في يدي الغزاة في المقدمة، وفي الرجعة في ساقة الساقة: أبو فوزة حدير السلمي.

أخرجه: ابن السني في عمل اليوم والليلة (العجالة1/734)، قال: أخبرنا حامد بن شعيب البلخي، حدثنا سريج بن يونس، ثنا الوليد بن مسلم به.

 

الكلام على الروايات:

أولاً: الأشبه عندي من روايتي عثمان بن أبي العاتكة هو ما رواه صدقة بن خالد، وأما رواية الوليد بن مسلم فلعله أسقط منه زيادًا، فإنه عنعنه، وقد اتهم بتدليس التسوية.

ثانيًا: أن كلا الطريقين في هذا الحديث لا يسلم من مقال، وإليك البيان:

فالطريق الأولى فيها بشير مولى معاوية وهو في عداد المجاهيل. ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (2/380) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً.

وذكره ابن حبان في ثقاته (4/82).

وفيه أبو عمرو الأزدي، وقيل: الأردني في عداد المجاهيل. ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (9/410) ولم يذكر فيه شيئًا.

وفيه معاوية بن صالح. قال عنه الحافظ في التقريب (955): "صدوق له أوهام".

والطريق الثانية فيها زياد ولم أعرفه.

وفيها: عثمان بن أبي العاتكة تكلم فيه بعضهم. قال ابن معين في رواية الدوري (4/420): "ليس بالقوي".

وقال مرة (4/440): "ليس بشيء ".

وقال يعقوب بن سفيان في المعرفة (2/433): "نا هشام بن عمار، نا صدقة بن خالد الدمشقي مولى أم البنين دمشقي ثقة، عن أبي حفص عثمان بن أبي العاتكة وكان قاص دمشق، وهو ضعيف الحديث".

وقال النسائي في الضعفاء (174): "ضعيف".

وقال ابن عدي في الكامل (6/280): "وهو مع ضعفه يكتب حديثه".

وقال أبو أحمد الحاكم  (3/44): "ليس بالقوي عندهم".

وقال ابن حجر في التقريب (664): "صدوق، ضعفوه في روايته عن علي بن يزيد الألهاني".

وقال في تلخيص الحبير (1/89): "متروك".

ثالثًا: حدير السلمي، ويقال: الأسلمي، والصوب الأول قاله الحافظ، وفرق بينهما ابن حبان فقال في الثقات (4/182): حدير السلمي كنيته أبو فوزة، يروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، روى عنه يونس بن ميسرة، والعلاء بن الحارث".

وقال (4/183): "حدير الأسلمي، يروي عن أبي الدرداء رضي الله عنه، روى عنه عبيدالله بن عبدالرحمن".

وظاهر صنيع ابن عساكر في تاريخه يقتضي أنهما واحد.

واختلف في صحبته، ذكره في الصحابة رضي الله عنهم: ابن منده، وأبو نعيم، وابن الأثير في أسد الغابة (5/248)، وابن عبدالبر في الاستيعاب (4/1728)، وأبو موسى الرعيني في الجامع لما في مصنفات الجوامع من أسماء الصحابة الأعلام أولي الفضل والأحلام (2/106).

وأما ابن حبان فذكره في التابعين (4/182)، وسبق ابن حبان إلى ذلك أبو زرعة الدمشقي كما في تاريخ دمشق لابن عساكر (12/240)، فقال في الطبقة التي تلي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي العليا: "أبو فوزة حدير السلمي".

وهو ظاهر تصرف البخاري في التاريخ، فإنه لم ينص على صحبته كما هي عادته، وكذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (3/295)، فإنه من عادته أن ينص على صحبة الرجل، ويقدمه في أول كل ترجمة إن كان من أصحاب النبي  صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر بعد ذلك من بعدهم، وفي هذه الترجمة قدم حدير بن كريب الحميري وهو تابعي، ثم ثنى بحدير السلمي.

قال ابن عساكر في تاريخه (12/239): "يقال: له صحبة".

وقال ابن حجر في الإصابة (2/37): "مختلف في صحبته، ذكره جماعة في الصحابة، وذكره ابن حبان في التابعين".

وهذا هو الراجح، لأن الأسانيد الدالة على صحبته لا تصح.

قال الذهبي في المقتنى (2/213): "أبو فوزة حدير السلمي، له صحبة، ولا يصح".

وقد اختلف في كنيته فقيل: أبو فوزة، قاله البخاري في التاريخ (3/97)، ومسلم في الكنى (2/685)، وأبو زرعة الدمشقي كما في تاريخ دمشق (12/210)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (3/295)، وابن منده في معرفة الصحابة، وكذلك أبو نعيم، وابن حبان، والذهبي في المقتنى.

وكناه النسائي كما في تاريخ دمشق (12/240)، والدولابي في الكنى (2/904) بأبي فروة - كذا في المطبوع، والذي في الإكمال لابن ماكولا (7/48) نقل عن الدولابي (أبو فورة حدير السلمي)، قال ابن حجر في التبصير (3/1077): "أبو فورة حدير السلمي كذا ضبطه ابن ماكولا، والذي أعرفه أنه بالزاي، كذا رأيته في تاريخ البخاري وغيره".

أقول: لعل ما وقع في الإكمال نقلاً عن الدولابي هو الصواب، لأنه قال في المطبوع من الكنى (904) "من كنيته: أبو فاطمة وأبو فارس وأبو فاختة وأبو فروة"، ثم في ص (908) قال: "من كنيته: أبو فراس وأبو الفرات وأبو فروة"، فكرر فروة مرتين، فدل على أن ثمة تصحيف وقع في أحدهما، والله أعلم.

وكناه ابن عبدالبر في الاستيعاب بأبي فروة.

قال ابن عساكر في تاريخه (12/239): "حدير أبو فوزة، ويقال: أبو قروة" بالقاف وهو تصحيف من فروة.

قال ابن حجر في الإصابة (2/37): "وقال بعضهم: أبو فروة، وهو وهم".

رابعًا: وقع في رواية عبدالله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي عمرو الأزدي، عن بشير مولى معاوية سمع فروة ذكره البخاري في الكنى (8/55).

وخالف عبدالله بن صالح: ابن وهب فقال فيه: عن أبي فروة، وهو المحفوظ فيه.

وجعل البخاري فروة هذا بناء على رواية عبدالله بن صالح من الصحابة في تاريخه (7/127) فقال: "فروة له صحبة، روى معاوية بن صالح، عن أبي عمرو، عن بشير سمع فروة".

وتبعه أبو حاتم، فقال كما في الجرح والتعديل (7/83): "فروة الشامي له صحبة، روى معاوية بن صالح، عن أبى عمرو، عن بشير عنه. سمعت أبى يقول ذلك".

وتبعه ابن منده، وأبو نعيم، وابن عبدالبر، وابن الأثير، وسماه بعضهم: فروة الجهني كما في الإصابة لابن حجر (5/303، و304).

وجعله ابن عساكر في تاريخه (48/274، و277)، فروة بن مجاهد اللخمي، فأبعد النجعة.

فإن كان اعتماد البخاري على سند عبدالله بن صالح فقد خالفه عبدالله بن وهب، وهذا الذي يغلب على ظني، وإلا فالقول ما قاله رحمه الله فهو العمدة في هذا الباب.

قال ابن عبدالبر في الاستيعاب: "ووقع في كتاب البخاري في هذا الخبر (عن بشير مولى معاوية سمع عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهم فروة في رؤية الهلال)، وهذا خطأ وتصحيف ليس فيه إشكال".

وهذا الذي يترجح لي، ولعل الخطأ فيه من عبدالله بن صالح، والله أعلم بحقيقة الأمر.

هذه الأسانيد أجود ما وقفت عليه، وهي كما ترى لا تصح، وهناك أحاديث أخرى واهية تركت الكلام عليها خشيت الطول، فمن أراد الوقوف عليها فلينظر ما كتبه العلامة الألباني رحمه الله في الضعيفة (8/6 - 10).

وفصل الخطاب أنه لا يصح في الباب حديث.

قال أبو داود في السنن (5/327): "ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب حديث مسند صحيح".

وقال الأثرم في ناسخ الحديث ومنسوخه (200): "وكلها ليست بأقوى الأحاديث".

وقال العقيلي في الضعفاء (2/518): "وفي الدعاء لرؤية الهلال أحاديث، كان هذا عندي أصلحها إسنادًا، كلها لينة الأسانيد".

وقال في (6/224): "الرواية في هذا الباب فيها لين".

 

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، والحمد لله رب العالمين.

 

 

أ. د. عبدالله بن غالي أبو ربعة السهلي